الجمعة، 2 مارس 2012

والتلفزة موجبه...الحراطين/ الحاج ولد إبراهيم


.

  • PDF


السلام عليكم... مجيبه جايكم...
في الأيام الأخيرة سمعت أن حرطانيا من أهل السياسة لا اذكر اسمه لكني اعرف لقبه يلقب بالمدير سيعين أو عين فعلا مديرا للتلفزة الوطنية. لو لم تكن لي شوفة على الشخص الذي عينه لبذلت قصارى جهدي وبللت طراريمي وبربرت تبربيرة تجبر نقاد الموسيقى على مراجعة الفرق بين الكاستراتو والسوبرانو ميتسو . ولكن السياسة والمبادئ وذاك النوع ثقيلة لدرجة أنها لا تسمح لحرطاني مثلي يعد الحراطين في إعلانات موريتل  أن يحتفل بحدث سيسجل ولو بعد حين في كتاب جينيس للأرقام القياسية وموسوعة هل تعلم. موجبه... أنني لاحظت أن صديقا لي نشط هذه الأيام في تدوين مظالم الحراطين وغيرهم من الطبقات المسحوقة ـ أو التي تدعي ذالك ـ على حائطه في الفايسبوك. لكي اقلعه لكم بالمارة انه الحرطاني الوحيد الذي يقدم  الأخبار في التلفزة "الوطنية" ولمن لم يعرفه بعد أو مازال يبهلل نفسه انه الكاتب جمال عمر.التعليق الأول أو الثاني الذي نشره الأخ جمال في سلسلة التعاليق التي سأله عنها زوغلبرغ اللئيم  يتعلق بالتربية الطبقية التي ننشأ عليها كموريتانيين والتي تقول لنا مجانا من هم الصالحون ومنهم الطالحون, منهم الوضيعون ومنهم الأشراف وحتى لا أحرف ما قال إليكم ما قال:
"لا أريد أن أكون عنصريا ولا شوفينيا ولا شعوبيا ولا عدوانيا وأسعى لاحترام الجميع وأوافقكم الرأي تماما في أن غياب الحماس لدى البعض في التعاطي مع الفرص المتاحة جزء كبير من المشكلة،لكن علاقات القرابة والعائلة والقبيلة التي استفاد منها من مكن لهم تاريخيا تتيح للبعض بحكم تلك العلاقة أن يكون أقرب للحصول على الفرص وإتاحة تعليم جيد وتكوين جيد وبالتالي الأهلية للحصول على فرص أحسن واستئثارا بالمقدمة في ما هو متاح،وهذا لا يلغي كون العديد من أفراد المجتمع يعيشون تحت خط الفقر وأن كانت كل الشرائح لا تتساوى في ذلك، أما القيم الإسلامية فلا أرى بأنها ترسخت فينا بالقدر الذي جعلها تلغي الإحساس بالفرق ،ولو كان لها نفس الدور لزالت تلك الفروق المتأتية من تقسيمات تاريخية تتكئ على اللون أو المهنة ولما صرعتها التقاليد الوثنية الجاهلية التي كانت سببا في النقاش الجوهري. لا أعتقد أعزائي الكرام أنه يخفى على غالبية الموريتانيين أن عقلية عامة الناس لازالت تنظر إلى الحرطاني كأقل قيمة أو أقل أصالة أو أدنى محتد من البيضاني باعتباره منحدرا من عائلة كبيرة وخيمة كبيرة وقبيلة وافرة ولا أحد ينكر أن لمعلم لازال منبوذا في العديد من الأوساط الاجتماعية وتنسج حوله العديد من الأساطير التي تخرجه من دائرة الإنسانية ،فهو كذوب وهلع ومصدر للشؤم وهابز النار،ونحن كنخبة مثقفة نحاول في غالبيتنا تجاوز ذلك بشعورنا الواعي نظرا لإدراكنا بأنه غير منطقي ويتنافى مع الفكر الحر والدين الإسلامي لكننا في لا شعورنا نختزن تلك الأحاسيس"
موجبه أن هكذا تعليق من شخص يعمل في التلفزيون الرسمي الذي سيتحول قريبا الى هيئة الاذاعة الموريتانية "ام بي سيــــــــــــــى" لا يمكن أن يجلب على صاحبه إلا الصداع مع الزملاء "البيظان" او مع الإدارة لا قدر الله. لان هذا الخطاب مُكثِرُ و حداثي ـ والحداثة خطاب نخبوي كما نبهنا الدكتور عبد الله الغذامي مأخراـ ولا علاقة لها بالتوجهات السامية لرئيس الجمهورية وليست في برنامج الحكومة. أنا شخصيا لا اكترث لبرنامج الحكومة لأني انتهيت لتوي من مرحلة دراسية  درست فيها موادا تتعلق بالحداثة والمساواة وتحليل الخطاب وتدمير "الستاتيس كو" دون ان أبل حلقي بدرهم او يورو واحد من ميزانية الحكومة ولم اصوت على حد علمي لرئيس الجمهورية.و لهذا  صفقت وهللت لما كتبه الاخ جمال وكدت انشد في مدحه بيت حرب لو لم استدرك شين حسي وبعدي المكاني عن جمال. استجمعت قواي وعلقت بدونكيخيتي المعهودة على ما كتبه الاخ جمال بالتالي:
"كلام سليم الأخ جمال لا ينكره إلا المكابرون الذين لا يرون بعد أنوفهم...الطبقية والقبلية والعنصرية أمراض مازال يعانيها المجتمع الموريتاني....والأمر من ذالك أن هذه الأمراض مازالت تواجه بالنكران وحجج هروبية أخرى تعز على الحصر ...عندما يتجرا احد على قول ذالك يواجه بالشتائم والتلعين الصريح والمبطن...لكننا سنقول ذالك وسنظل نقول ذالك هذا ما نعدهم به إلى أن نغير شيئا أو نموت...ظروف موضوعية خارجة عن إرادة الجميع بدأت تعصف بهذه الترهات التي مازال بعض الموريتانيين يتمسك بها...العالم يتغير والبعض لا يدرك ذالك...بل يحاول عبثا وضع العصي في عجلته...احيي فيك الأخ جمال هذه الصحوة...تحياتي..."
في تعليق آخر على نفس السلسلة من بوح الأخ جمال قال قائل: "أنا أتقاسم معك رأيك لكن سؤال يتبادر إلى ذهني وأعرف أنه يحمل الكثير من الصلافة، لكن قل لي ما سر هذا التغير المفاجئ في المنحى الفكري للمبدع جمال عمر،عهدناك كاتبا مبدعا لكنك لم تعط رأيك يوما في التناقضات التي يعيشها هذا المجتمع،أتمنى لك حظ موفقا مع تبلور قناعاتك الجديدة"
أعتقد أن ما بطنه الاخ المعلق في تسائله الذي ختم به التعليق ـ وقد أكون مخطأً ـ هو لماذا سكتت يا جمال كل هذا الوقت عن قبح مجتمعنا ورجعيته ولم يصحا ضميرك إلا في هذه الفترة؟ ولعل ما سكت عنه المعلق ربما خوفا من صلافة هو أن الأخ جمال لم يجد بهذا البوح إلا عندما تم تعيين ابن عمه المدير مديرا جديدا للتلفزة "الوطنية"ـ وقد أكون مخطأ أيضا ـ صراحة هذا سؤال محق في نظري ولهذا  غمزت به للأخ جمال في صيغة "صحوة" شيء ما كان هناك في مكان ما بينما وضعه زميلي في تعليقه بصغة " تبلور قناعة جديدة" تفسد على الإبداع صفائه وحياده في نظر معلقنا الفطن. أيا كان دافع الأخ جمال في "صحوته" أو "قناعته الجديدة" فهو محق بنظري لان القبيلة والجهوية هما المصدران الأولان للتعيين والتوزير والترؤس في موريتانيا حتى إشعار آخر ولا أظن أن السماء ستسقط على الأرض إذا أضفنا لهما عاملا جديدا وهو "العرقية  " خصوصا إذا كانت ستحيي في قوم "صحوة" أو "تبلورا لقناعات جديدة"  يعتقدون بصحتها ولم يكن باستطاعتهم البوح بها من قبل في ظل غياب من يحمي لهم ظهورهم. لا حظوا معي أن الميكيافيلية قد تكون أخلاقية جدا في هكذا موقف.

موجبه...في آخر تعليق من سلسلة "صحوات الضمير" أو "تبلور القناعات الجديدة" للأخ جمال كتب معلقا على ضعف الإنتاج الثقافي في التلفزة "الوطنية" قائلا: "آن الأوان لكي يدرك القائمون على التلفزيون الوطني ولست منهم ،أن يدركوا القيمة الحقيقية للثقافة ،وأن يفسحوا لها مساحة حقيقية على مستوى الشاشة كي يستطيع أي مشاهد أن يجد نفسه من خلالها،بدل تعميق الحاجز النفسي بين المشاهد والتلفزة الرسمية،لابد من إبراز مختلف المكونات الثقافية لهذا المجتمع،كإظهار الفلكلور الحقيقي لمختلف أطراف موريتانيا كالنيفارة وبنجه والردح والدز،ولعب الدبوس،وهيب جر،,,,,,,,ومختلف الألعاب الشعبية الأخرى،لابد من أشويرات كما أنه لابد من تنمية جوانب الثقافة المعاصرة لتنمية الذائقة الشعبية ،ولابد كذلك من دعم الفن التشكيلي والمسرح والحكاية الشعبية والسينما والقصة ،إلى جانب الشعر والمحظرة والمخطوطات رغم ما أخذت هذه الأخيرة من حيز طغى على كل مظاهر الثقافة الشعبية،لماذا لا يتم إنتاج أو بث أفلام أو برامج وثائقية تظهر حياة مجتمع أنمادي وسكان الضفة مثلا،فكل ذلك موجود وقابل للتحقق،"


وفي تعليق على التعليق علق معلق التعليق التالي:
"خي جمال : أنا مثلك لست من القائمين على التلفزة ولكنني أود أن ابرز بعض الملاحظات : أولا - أنت في ملاحظتك لم تتحدث إلا أن فلكلور عرف لفئة اجتماعية واحدة مما يؤكد أن غرض الملاحة ليس كما بدا منها ، ثم انه كان من واجبك الأخلاقي أن تكون أكثر إنصافا لقرائك ذلك انك تدرك تماما إن أرشيف التلفزة لم يولد قبل الثمانينات من القرن المنصرم وان ما قبل ذلك هو أرشيف فرنسي من إنتاج هيئة السينما الموريتانية وفيه جميع أنماط الفلكلور، أما أرشيف اليوم فهو عاجز عن توفير الصور القريبة أحرى تلك التي تتطلب سفرا وإنتاجا. وأنت تدرك حالة الأرشيف في التلفزة. أما عن الفلكلور : فكم من نفارة وسباق خيل وحمير، ومصارعة حرة ومقيدة واشويرات ظل وشمس بثت على شاشة التلفزة الوطنية واقرب مثال على ذلك برنامج (موريتانيا الأعماق) الذي لا تنقضي حلقة منه دون ملمح فلكلوري منسي. أما حديثك عن ثقافة انمادي، فهي مثل ثقافة ايمراكن واندثار مدينة ازوكي حيث شح المعلومات والمصادر وكان الأولى بك أن تطلب البحث عنها من وزارة الثقافة والمعهد الموريتاني للبحث العلمي اللذين يهتمان بالتراث اللامادي أساسا. أما فالأنماط الثقافية الأخرى كالمسرح والقصة والشعر وغيرهما فالتلفزة غير ملومة في الحديث عنهم وأنا وأنت نعرف ذلك أكثر. اتفق معك أخي جمال على أن لا فائدة من التلفزة والإذاعة الموريتانيتين، ولكنني أربأ بك كمثقف أن تلوي عنق الحقيقة لحاجة في النفس . أنت اكبر من ذلك . دمت مبدعا"
موجبه أن هذه التعليق الأخير شعرن جلدي وقيم لي مواجع وثارات قديمة اكتنزها لا شعوريا ضد التلفزة والإذاعة وجريدة "الشعب" من زمن الزيارات الرئاسية لفخامة القيادة الوطنية المخلوعة ـ الأولى ـ ولا ينفقع علينا أحد إذا سميناها بالمخلوع. فمما أذكره من حنقي المدفون على إعلامنا الرسمي هو صيحة أطلقتها ضد سيارة البث المتنقل التي كانت تنقل اقتراب موكب القيادة الوطنية من المنصة الرسمية وسط المدينة. كان ذالك سنة 1999 أو بعدها. صرخت على من كان في سيارة البث الخضراء "الإذاعة صفاكه". لاحظوا كم كنت بطلا, كادت تلك الصيحة أن تودي بي في السجن أو اقل أو أكثر لولا صغر سني آنها. بعد ذالك بفترة  التقيت بأحد ابرز وجوه التلفزة "الوطنية" أثناء زيارته للمدينة التي انحدر منها وسألته عن سر استضافة ضيوف برنامجه الكثر حول مسبح فندق مرحبا في البرد القارس؟ تخلص من السؤال بلباقة ومضى في شأنه. يعود الفضل لنفس البرنامج في اكتشاف موهبة المدير الجديد للتلفزة  في ما هو موهوب فيه.
موجبه أن ثاراتي القديمة على التلفزة والإعلام الموريتاني بشكل عام مازالت تتبعني لا شعوريا حتى الآن لدرجة أنها دفعتني إلى تغيير موضوع تخرجي هذه السنة في آخر لحظة من موضوع "التحليل الإطاري" لعالم الاجتماع ارفينغ غوفمان الى موضوع آخر يتعلق بالإعلام الموريتاني تحدياته وحلوله ـ إن كانت له حلول ـ. ما توصلت إليه في البحث ثقيل جدا نظريا ولن أدحسكم به ـ ان لم اكن قد فعلت ـ حيث يتعلق بما قال شرام وزملائه في كتابهم "أربع نظريات للإعلام" و دانيال لرنر في كتاب أخر "نظرية التحديث،  وزوال المجتمع التقليدي في الشرق الأوسط" إضافة لدور اكتشاف مارك زوغلبرغ العجيب في محو الامية الالكترونية جزئيا عن الموريتانيين الغلابة.
موجبه أن ما قاله الأخ جمال صحيح جدا وحقيقي جدا وما رد به عليه زميله الذي يقدم برنامجا "ثقافيا" على هيئة الإذاعة الموريتانية "ام بي سي" ليس صحيحا وليس حقيقا واليكم لماذا. بسم الله...أي تلفزيون في العالم ابتداء من ال"بي بي سي" التي سنحامرها نحن قريبا ونصبح "ام بي سي" وانتهاء بتلفزيون جزر القمر الذي لا ادري هل تأسس بعد أم لا ينقسم بنيويا إلى قسمين أو جانبين: ـ وهذه النظرية أتبرع  بها أنا مجانا للقائمين على التلفزة "الوطنية" لأنني لم استطع بعد تسجيلها ضمن  حقوق ملكيتي الفكرية الكثيرةـ  الجانب الشكلى ويعني الأجهزة الفنية والاستوديوهات وذاك النوع ويقوى ويلمع حسب ميزانية المؤسسة أو الدولة التي تصرف عليها وهو ما نعفي منه ال "ام بي سي" مع أن...والجانب الثاني هو جانب المضمون وهو ما أنشأ التلفزيون من أجله اقيمت من اجله التلفزة. سيجادل محامو الإعلام الموريتاني أن المضمون مقترن بالشكل وهو ما نوافقهم عليه ولكننا نضيف أيضا أن الشكل الحالي للتلفزة الرسمية يمكن أن يقدم مضمونا أحسن بخمسمائة في المائة إذا اعترفوا أن المضمون الحالي للتلفزيون ساقط وبائس لدرجة  أنني شخصيا اخجل من المرور عليه عندما أكون مع أصدقائي الأجانب. بأس المضمون الإعلامي في التلفزة سببه جلي ولا يخفى على إلا على من يريد ذالك ولكني سأتكرم أيضا واشرحه لكم عسى أن يكون المدير الجديد مهتما بمعرفة أزمة التلفزيون الذي دخل بسببه كتاب جينيس وموسوعة هل تعلم كأول حرطاني يجلس على كرسي الإدارة العامة للتلفزيون الرسمي ولكم يهتم التاريخ بكلمة أول خصوصا عندما تتعلق بالمقهورين والغلابة.
المشكلة الأولى في التلفزيون الرسمي هو مشكلة البشر الذين يعملون فيه. مشكلة التلفزيون في صحفييه، فنييه، معديه، ومنتجيه وسأركز أكثر على مقدميه لأنه وبفضلهم يمكن للمشاهد أن تثبت القناة أو يواصل البحث كما يحدث قالبا. مشكلة التلفزيون ـ وهي أيضا مشكلة بقية الإعلام الموريتاني ـ هي مشكلة البشر الذين يعملون فيه. فهم مصدر دائه وقبح شكله ورداءة مضمونه وارتجاليته. والسبب في هذا السبب معروف أيضا هو كون الكادر البشري المشرف على التلفزة الرسمية لا علاقة له بالإعلام على الإطلاق فقد جاء أكثريتهم ـ حتى لا نعمم ـ عبر النوافذ المعروفة لدى القاصي والداني وهي القبلية والجهوية فكرونولوجيا تعيين الصحفيين في التلفزة أكاد اجزم أنها تشكل متتالية لكرونولوجيا تعيين المديرين العامين للمؤسسة. ولكي تعرف تاريخ ظهور صحفي كان يكوس معك يوم أمس ليس عليك سوى ربطه بآخر تعيين حكومي للمدير الجديد للتلفزة. طبعا سيقول قائل أن الارتجال هو السائد في موريتانيا كدولة وهذا صحيح لكني سأتجرأ هنا وأقول إن ذالك الارتجال اقل خطرا من الارتجال في مجال الإعلام لأنه ببساطة لا يبث عبر الأقمار الصناعية. مشكلة الإعلام في موريتانيا انه يغلب المعادلة التي تقول نظرية فتطبيق لكي تصبح تطبيق فتطبيق ثم نظرية إن سمحت الظروف ـ وغالبا لا تسمح ـ
كثير من العاملين في التلفزيون كي لا نقول الكل لم يدرسوا الإعلام كتخصص لان الشهادة ليست شرطا في ترأس دولة بكاملها فأحرى في تقديم نشرة أو برنامج في تلفزيون. جرت العادة كما قال لي احد الأصدقاء في الإذاعة أن يذهب الصحفي للحصول على شهادة من معهد أو جامعة بعد أن يأمن على مقعده وراتبه في المؤسسة التي يعمل أو ـ يستعمل ـ فيها.  مشكلة التلفزيون الموريتاني أيضا في عدم مهنية إعلامييه إن صحت تسميتهم بهذا الاسم فهم متسيسون أكثر من السياسيين أنفسهم ولا ضمير مهني يمنعهم عن قول أي شيء أو فعل أي شيء تريده السلطة وما اطلعت عليه أو سمعته من تصرفات مشينة يصلح لرواية من الحجم الكبير. إن تملقهم واحتقارهم لأنفسهم وتغلبهم ذات اليمين وذات اليمين هو السبب الأول في انحطاط التلفزيون الرسمي. فصحفيو الإعلام الرسمي لا يعترضون ولا يتململون من النفاق والتصفيق لكل منقلب وأزمة الانقلاب الأخير تكشف بوضوح ما أعنيه هنا. حيث حطمت بسرعة الآمال التي عقدناها كمشاهدين بعد النقلة النوعية التي شهدتها المرحلة الانتقالية وما تبعها من فترة الرئيس المنقلب عليه سيد ولد الشيخ عبد الله. ولكي نعرف وجها من أوجه هذه الأزمات المهنية والأخلاقية التي تعصف بالإعلام الرسمي دعونا فقط نقارن بين هذين الخبرين: الخبر الأول نشرته وكالات الأنباء فقط قبل أيام يقول الخبر: "مئات الصحفيين التونسيين يتظاهرون لانتهاك الحريات الإعلامية" وخبر آخر نشرته وكالة أنباء وطنية يقول: " صحفيو الإعلام العمومي يطالبون بتسديد العلاوات" لن أستغبي أحدا بإعطاء تفسير لنتيجة المقارنة.
موجبه نعود الآن للتعليق الذي تفضل به المعلق  معلقا على ما قاله الأخ جمال. صاحب التعليق صحفي في التلفزة التي قلنا فيها ما قاله مالك في الخمر ويقدم برنامجا ثقافيا من بين البرامج الكثيرة التي تقدمها التلفزة "الوطنية" "ام بي سي" لا اذكر اسم البرنامج الآن إلا أنني والحق يقال لا أقلب عنه إذا لم يكن برنامج كوثر البشراوي ماشيا في نفس الفترة على قناة أخرى. يبدو أن الأخ صاحب البرنامج قد تجلج جدا من بوح زميله المتحامل على التلفزة إلا أنه ختم بكلمة دائما نقولها نحن اهل الفايسبوك عندما يتاغينا احد الزملاء في مقال أو قصة خامرة ألا وهي عبارة "دمت مبدعا". الأخ جمال قبل تقريبا بكل الحجج والبراهين التي قدمها زميله في التلفزة لدواع لست فكراشا بما فيه الكفاية لأحرزها كلها.لكن من بينها قطعا أن الأخ جمال متعدل حسب الانطباع الذي تتركه عندك ابتسامته اثناء قراءة النشرة الإخبارية و لا يريد الديكة مع زميل له في التلفزة الرسمية خصوصا أن تعليق الأخ جمال يتضمن نقاطا حساسة يجب أن لا يتكلم عنها إلا بيرام ولد اعبيد و أمنة بنت المختار  ومن يجري جريتهما مثلي أنا. كان من الصدف الغريبة انني ارسلت العبارة التالية "السلام عليكم" وبإمكان مارك زوغلبرغ أن يكذبني إن استطاع  لصاحب التعليق ومقدم البرنامج يوما واحدا قبل أن ينشر تعليقه العاتب هذا. طبعا لم يكلف أخي المعلق نفسه رد التحية.و إذا كان أخي المعلق يريد معرفة دواعي هذا السلام المفاجئ فهو كان مقدمة لسؤال عن كاتب رواية موريتانية كنت منشغلا بقراءتها ذالك اليوم لأحاججه عن سبب تسمية  حمال سابق في ميناء انواذيبو باسم دلع شامي"عبود" بدل "اعبيد" أو "عبد البركة". استنتجت بعد المحاولة انه أكمل لك أن يشرح لك نعوم شومسكي كتابه "صناعة الإجماع الشعبي" في مائة وأربعين تغريده عبر حسابه في تويتر من  أن تحصل على رد تحية الإسلام من ابن جلدتك.
موجبه أن ما قاله أخي المعلق حول بكائية زميله على  "فلكلور عرف لفئة اجتماعية واحدة" واستشهاده بكل فخر واعتزاز ببرنامج لزميل لهما آخر وهو محمد ولد زمزام قد شعرن جلدي كما قلت سابقا ودفعني للتدخل بهذه الرواية التي اطمح أن انهيها بين ليلة وضحاها. إن ما لم يقله الأخ جمال لإكراهاته الشخصية هو أن الإعلام الموريتاني يعاني عمى الألوان وعمى الأعراق وعمى الثقافات. أتذكر عندما كنت في أدرس في انواكشوط عبارة تحاكي فن الكرافيتي منحوتة على حائط ملعب لكصر تتساءل "أين الحراطين في تلفزة موريتانيا العنصرية؟" لا ادري هل مازالت تلك العبارة هناك أم تم محوها بعد اكتتاب  الأخ جمال في التلفزيون الرسمي. عند هذه النقطة سأوضح خوفا من التباس أنني مبدئيا ضد أي  محاصصة عرقية أو كومينوتارية في مناصب الدولة الموريتانية فأحرى التلفزيون ولكن الشرط الموضوعي الذي أضعه هو تحقيق مبدأ الشفافية وتكافئ الفرص بين جميع أبناء الوطن عكس ما هو واقع الآن من محسوبيات عمياء.
إذا قبلتم معي التوصيف السابق أن التعيين يتم عن طريق القرابة والقبيلة فالنتيجة هي أن فئات عرقية واجتماعية أساسية من المجتمع الموريتاني ستحرم "الرؤية"ـ كما يسميها طارق رمضان في سياق آخرـ عبر وسائل إعلام بلدها. النتيجة المتحصلة من هذا الواقع ستكون انعدام رؤية هذه الفئات الاجتماعية في الإعلام ألرسميي وربما الخاص الذي لن يعدو كونه  انعكاس لوضع الإعلام الرسمي القائم. مع انعدام الحس الوطني الناتج عن ضعف الدولة وقوة ما يناقضها من ولاءات تقليدية منافسة لا احد سيهتم بتراث، فلكلور، ماسي أو أفراح قوم لا يعتبرهم وجوديا قومه أو أهله بل ربما يرى الوقت الذي يستغرقه وجودهم على الشاشة أو الأثير محتسبا من وقته أو حقه الطبيعي. وتوضع المسالة في ثنائيات أقلية وأكثرية تنتظر كل منهما انقضاء ساعات بث الأخرى كي تبدأ المشاهدة  كما هو الحال الآن. وهذا الوضع القائم الآن خطير على البلد وعلى من يعشون أو يتعايشون مرغمين فيه. خطورة هذا الطرح  تكمن في كونه يقول لنا إن الغالبية  العرقية "مجتمع البيظان" متجانسة و ممثلة  كما ينبغي في الإعلام الرسمي وهذا ما ليس بصحيح فالمعلمين مثلا كمكون داخلي من مكونات فئة "البيظان" ليسوا ممثلون في الاعلام الرسمي والتلفزة خصوصا باعتباره التلفاز الآن يتصدر جميع وسائل الاتصال الشعبي أو الجماهيري. ف "الملعم" الوحيد حسب علمي الذي يظهر في التقديم ـ"الرؤية " مفهوم مركزي في العملية الإعلامية كلها إن لم نقل انه يقتصرها كلها ـ هو محمد ولد الصوينع في برنامج "الموزون" الذي سبقه برنامج من نفس الصنف ويقدمه "امعلم"  آخر هو المرحوم بوكي ولد اعليات. وهذه المسالة الشكلية في نظر البعض بنيوية في نظري وتعكس إيمان القائمين على الشأن الإعلامي الرسمي بالحتميات العرقية أو الاجتماعية على الأصح حول ما يليق بكل فئة اجتماعية فعله في استجرار حديث للأدوار الاجتماعية التقليدية لكل مكون اجتماعي من مكونات مجتمع البيظان. ونفس الشيء ينطبق على مكون "ايكاون" الذين يقتصر وجودهم على سدوم ولد ايده في برنامج "أزوان".
أما العبيد أو العبيد السابقين كما يحلوا لمن لا يقبلون أن العبيد كفئة اجتماعية مازالت موجودة فيحدثنا أخونا المعلق أن ثقافتهم وفلكلورهم موجود بل ربما أكثر من اللازم في الشاشة الرسمية إذا كسرنا حاجز التأويل وما بعد التأويل في نص معلقنا الشيق. على العبيد أو العبيد السابقين أو هما معا ومن يتكلم باسمهم أن لا يصدعونا بشكائيات وبكائيات لا داعي لها "فكم من نفارة وسباق خيل وحمير، ومصارعة حرة ومقيدة واشويرات ظل وشمس بثت على شاشة التلفزة الوطنية" كما يخبرنا أخونا المعلق. بصفتي عبدا حاليا أو سابقا أود أن اشكر أخونا المعلق على قدر العبيد والعبيد السابقين عنده وعند تلفزته الموقرة. فبرنامج "موريتانيا الأعماق" وقبله "بين الدي والدخان" قد خدما فعلا العبيد وربما قد بالغا في ذالك حسب ما شممت من تعليق أخونا المعلق. أنا أتجرأ هنا لأقول لك وللمسئولين عن قطاع الإنتاج ـ اذا كان يوجد في التقسيم الإداري للمؤسسة ـ أن هذه البرامج التي تمن علينا  الظهور فيها هي أكثر فتكا واشد خطورة من عدمها. إن هذه البرامج الترفيهية بامتياز تدمر الذاكرة الجمعية لهذه الفئة من المجتمع الموريتاني وتوفر العلوم الاجتماعية الكثير من الحجج والنظريات لإثبات ذالك. أولا إن هذه البرامج تخون هذه الفئة بتقديم هذا التراث الإنساني الفريد بشكل ممجوج ومبتور من السياق  السوسيو ثقافي الذي أنتجه ألا وهو الممارسات الإسترقاقية التي مازالت الدولة تتنكر لوجودها وأخرها رئيسها في أخر لقاء مفتوح له مع الشعب.
صراحة يعز علي فهم السياق أو "الوجه" الذي تقدم به التلفزة الموريتانية العبيد فرادى أو جماعات وهم يقدمون أي وجه من أوجه تراثهم الثقافي. هل هو من باب التشفي، السخرية، أو البلادة التي هي الأرجح بالنسبة لي. اعتقد أن اشد خطر تواجهه الثقافة بكل معانيها ـ عدى معنىاها الترفيهي الذي هو السائد عند القائمين على التلفزة كنموذج للإعلام الرسمي ـ هو الارتجال والابتذال والسطحية والتدليس. إن "بنجه" بنوعيها الشمالي والجنوبي و"لعب الدبوس" و "دكداكة" و "دك الغبرة" و "جركان" و "ام زغيبة" و "انيفارة" كلها "ممارسات ثقافية"ـ بالمعنى الانتروبولوجي  للمصطلح ـ توثق للواقع التاريخي الذي صنعها وأي اجتزاء أو انتقائية في هذه تقديم هذه الممارسات يعد خيانة وتدميرا لهذا التاريخ الذي صنعها. وهنا لا اعتبر أن الحفاظ على  هذه الممارسات الثقافية أو حتى الاستمتاع بها أو الاستفادة منها  حكر على الفئة التي أنتجتها لأنها تاريخ مشترك وجزئ من الضمير الجمعي للذين أنتجوها وهم قطعا ليسوا العبيد وحدهم وبعض القطع الفولكلورية المعروفة في مدينة شنقيط ربما توضح ما اعنيه هنا. تماما كما أنني اعتبر "اتهيدين" ـ الذي صنفته اليونسكو مؤخرا تراثا إنسانيا لا ماديا يجب الحفاظ عليه ـ   تراثا وطنيا وإنسانيا قبل كل شيء يوثق هو الأخر للحظة التاريخية التي أنتجته مع تحفظي على ذالك التاريخ الذي اختزل بسببه الفنان أو "ايكيو" إلى مكبر صوت تملك قبيلته "دم بحشيشته" ومازال هذا الواقع ماثلا حتى الآن والإعلام  الرسمي يكرسه بكل فخر.
إن اكبر كابوس اسمعه من بعض من أناقشهم في قضايا العبودية هي أن العبودية قد انتهت ليس من باب أنني لم أكن أتمنى أنها فعلا قد انتهت بل لأن جانبها اللامادي أي قصص من تبقى ممن عاشوها ومن مورست عليهم وربما من رضي البوح ممن مارسوها لم يوثق بعد كجزء من اركيولوجيا التاريخ الاجتماعي للمجتمع الموريتاني. ان هذا الصنف من التراث اللامادي  الإنساني لا يقارن بالمدن التي تختبئ عنا تحت الرمال في ازوكي, شنقيط، وادان، تمبكتوا او ولاتة. تلك المدن لن ترحل إلى أي مكان ستحرسها لنا الرمال الوفية حتى نقدر على استخراجها. إن تاريخ العبيد  يندثر وعلينا جميعا أن نوثقه ونحرص على أن نورث ما استطعنا منه للأجيال القادمة التي نأمل أن تستفيد منه وهو على ما أعتقد كفيل بتصالح تلك الأجيال مع ماضيها والثقة في مستقبلها. سيقول قائل إن ما أقوله الآن كلام كبير على شاب مثلي لم يتجاوز بعد عقده الثالث أو ترف فكري في لحظة سياسية عصيبة يتنازع فيها القحط والجفاف مع مشاكل الدستور والسياسة لكن التاريخ يعلمنا دائما أن الأمم العظيمة هي التي تصنع لحظات إشراقها في أوقات احتراقها. واعتقد جازما أننا امة عظيمة بتنوعنا وقوتنا الكامنة في ما تحجبه عنا صراعات السياسة والخوف من المجهول. في السنة الماضية ودعت موريتانيا فنانة عظيمة كانت اكبر من البلد الذي قدر لها أن تولد فيه ولكم يحز في قلبي انه لا احد يكترث لجمع تراثها المتوزع بين قارات العالم الخمس، حفلاتها في تونس، في المغرب، في سيدني، واشنطن وباريس. قبلها غادرنا آخرون لا احد يجد من ذكراهم سوى ما تجود به الذاكرة التي يسميها الفرنسيون "الخائنة الجميلة". في أواخر الثلاثينات من القرن المنصرم كان يعيش أخر مائة ألف عبد سابق في الولايات المتحدة الأمريكية. كان هناك في أمريكا من عنده وعي بأهمية هذا التراث في طور الانقراض حتى في وقت الكساد العظيم. تم تسجيل حوالي 2000 شهادة شخصية لهؤلاء العبيد من طرف الاتحاد الفدرالي للكتاب الأمريكيين فهل يساعدنا احد على تسجيل عشر هذا العدد ونشرب معه نخب اختفاء العبودية وانقراض امة العبيد؟
الحاج ولد إبراهيم
باحث علوم اتصال واعلام
جامعة المولى اسماعيل، مكناس، المغرب


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق